محمد بن جرير الطبري

125

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

كفرهم بالله وتكذيبهم رسله ، من نقم الله وعاجل عذابه . القول في تأويل قوله تعالى : قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصارَكُمْ وَخَتَمَ عَلى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : قل يا محمد لهؤلاء العادلين بي الأوثان والأصنام المكذبين بك : أرأيتم أيها المشركون بالله غيره إن أصمكم الله فذهب بأسماعكم وأعماكم فذهب بأبصاركم ، وَخَتَمَ عَلى قُلُوبِكُمْ فطبع عليها حتى لا تفقهوا قولا ولا تبصروا حجة ولا تفهموا مفهوما ، أي إله غير الله الذي له عبادة كل عابد يأتيكم به ؛ يقول : يرد عليكم ما ذهب الله به منكم من الأسماع والأبصار والأفهام فتعبدوه أو تشركوه في عبادة ربكم الذي يقلو على ذهابه بذلك منكم وعلى رده عليكم إذا شاء . وهذا من الله تعالى تعليم نبيه الحجة على المشركين به ، يقول له : قل لهم : إن الذين تعبدونهم من دون الله لا يملكون لكم ضرا ولا نفعا ، وإنما يستحق العبادة عليكم من كان بيده الضر والنفع والقبض والبسط ، القادر على كل ما أراد لا العاجز الذي لا يقدر على شيء . ثم قال تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ يقول : انظر كيف نتابع عليهم الحجج ونضرب لهم الأمثال والعبر ليعتبروا ويذكروا فينيبوا . ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ يقول : ثم هم مع متابعتنا عليهم الحجج وتنبيهنا إياهم بالعبر عن الأذكار والاعتبار معرضون ، يقال منه : صدف فلان عني بوجهه فهو يصدف صدوفا وصدفا : أي عدل وأعرض ، ومنه قول ابن الرقاع : إذا ذكرن حديثا قلن أحسنه * وهن عن كل سوء يتقي صدف وقال لبيد : يروي قوامح قبل الليل صادفة * أشباه جن عليها الريط والأزر فإن قال قائل : وكيف قيل : مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ فوحد الهاء ، وقد مضى الذكر قبل بالجمع فقال : أَ رَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصارَكُمْ وَخَتَمَ عَلى قُلُوبِكُمْ قيل : جائز أن تكون الهاء عائدة على السمع ، فتكون موحدة لتوحيد السمع ، وجائز أن تكون معنيا بها : من إله غير الله يأتيكم بما أخذ منكم من السمع والأبصار والأفئدة ، فتكون موحده لتوحيد " ما " ، والعرب تفعل ذلك إذا كنت عن الأفعال وحدت الكناية وإن كثر ما يكنى بها عنه من الأفاعيل ، كقولهم : إقبالك وإدبارك يعجبني . وقد قيل : إن الهاء التي في به كناية عن الهدى . وبنحو ما قلنا في تأويل قوله يَصْدِفُونَ قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، في قوله : يَصْدِفُونَ قال : يعرضون . حدثني المثنى ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثله . حدثني المثنى ، قال : ثنا عبد الله بن صالح ، قال : ثني معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس ، قوله : يَصْدِفُونَ قال : يعدلون . حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة ، في قوله : نُصَرِّفُ الْآياتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ قال : يعرضون عنها . حدثني محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن المفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ قال : يصدون . القول في تأويل قوله تعالى : قُلْ أَ رَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : قل يا محمد لهؤلاء العادلين بربهم الأوثان المكذبين بأنك لي رسولي إليهم ، أخبروني إن أتاكم عذاب الله وعقابه على ما تشركون به من الأوثان والأنداد ، وتكذيبكم إياي بعد الذي قد عاينتم من البرهان على حقيقة قولي . بَغْتَةً يقول : فجأة على غرة لا تشعرون . أَوْ جَهْرَةً يقول : أو أتاكم عذاب الله وأنتم تعاينونه وتنظرون إليه . هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ يقول : هل يهلك الله منا ومنكم إلا من